الرئيسية / مقالات الرأي / سامح فتحى يكتب: العيد الـ 50 لفيلم «البوسطجى».. الواقعية الخشنة

سامح فتحى يكتب: العيد الـ 50 لفيلم «البوسطجى».. الواقعية الخشنة

اشترك لتصلك أهم الأخبار

مع قرب انطلاق الدورة الحادية والسبعين لمهرجان كان السينمائى الدولى، التى تقام فى الفترة من 8 إلى 19 مايو، نتذكر بكل فخر أن الحدث السينمائى العالمى الفريد سبق أن احتفى فى دورته الرابعة والستين بفيلم «البوسطجى»- الذى صادف يوم الخامس عشر من شهر إبريل الحالى مرور خمسين عاما على إنتاجه- عندما تم اختيار مصر لأول مرة كضيف شرف للمهرجان، وتم عرض فيلم «البوسطجى» بقاعة بونوييه فى إطار قسم «كان كلاسيك».

وقد طلبت إدارة المهرجان وقتها من المسؤولين المصريين هذا الفيلم بالتحديد ليُعرض بالمهرجان. وهذا الأمر يدل على ضرورة الاهتمام بالتراث السينمائى المصرى الذى له قيمته العالمية، ويجب أن تهتم الدولة بترميم الأفلام التى تمتلكها، وهى أكثر من مائتى فيلم، وتحافظ عليها وأولها فيلم «البوسطجى» الذى يحتاج إلى ترميم وضبط الصوت.

فيلم البوسطجى

ومن المعروف أن هذا الفيلم مأخوذ عن أقصوصة تحمل العنوان نفسه من مجموعة الكاتب الكبير يحيى حقى «دماء وطين»، التى صدرت عام 1945 عن دار المعارف. وقد قدم المخرج حسين كمال هذا الفيلم، وكتب له السيناريو صبرى موسى ودنيا البابا، ومن تمثيل شكرى سرحان، وزيزى مصطفى، وصلاح منصور. وقد فاز الفيلم بجائزة أحسن ممثل أول من مؤسسة دعم السينما لشكرى سرحان، وعُرض فى مهرجان قرطاج وفى مهرجان طشقند، وفاز بالجائزة الدولية الأولى فى الإخراج.

وقد يرجع سبب اختيار الفيلم لتلك الواقعية التى تنقل واقعا شديد المحلية والخصوصية، ليطلع المشاهد على صورة زمنية ومكانية وحوادث دارت فى مكان ما على سطح الكرة الأرضية، ويتعرف على بيئة منغلقة على نفسها، وهذا الأمر الذى هو إغراق فى المحلية من أهم عوامل العالمية، وهو الأمر الذى راعاه يحيى حقى فى أقصوصته البوسطجى، وقدمه حسين كمال بواقعية خشنة، التى هى نوع من أنواع الواقعية، يقصد بها تصوير الواقع بخشونته دون معالجة سينمائية أو محاولة تجميل، فتجمعت السلبيات فى قرية كوم النحل بصعيد مصر، والتى أراد يحيى حقى بعبقرية واضحة أن يسلط الضوء عليها، لذلك نجح العمل وأصبح من أهم أعمال السينما المصرية بل العالمية، بعد عرضه فى مهرجانات كان وقرطاج وطشقند.

ويتناول العمل حكاية عباس الذى نُقل من القاهرة إلى قرية كوم النحل بأسيوط، ليكون ناظر مكتب البريد بالقرية، ومن شدة الملل يطلع على ما فى الخطابات، مما يوقعه فى مشكلة بسبب ذلك، لعدم إرساله خطابا اطلع عليه بين حبيبة وحبيبها فى الوقت المناسب، فأدى الأمر إلى أن لقيت تلك الحبيبة أو الفتاة جميلة «زيزى مصطفى» حتفها على يد أبيها سلامة «صلاح منصور»، بعدما اكتشف حملها سفاحا من حبيبها ذلك الذى كان قد أرسل لها عنوانه الجديد، وطلب منها أن تستعد لتلحق به، لكن الخطاب لم يصل للفتاة بسبب أخطاء عباس الذى رأى مصرع الفتاة فأصيب بحالة من الذهول والحنق.

نجح العمل فى إعطاء صورة حية لذلك الواقع المتخلف المغلق على نفسه، والبعيد عن أعين الناظرين من البيئات الأخرى، والذى يتسم- من جراء تلك الانغلاقية وعدم وصول الرعاية الحكومية وقتها- بالسلبية واللامبالاة، مع ارتفاع نسبة الأمراض والقذارة المنتشرة والملل، والفوضوية وانعدام الأمن والفقر الشديد، مع بعض الأمراض الاجتماعية المتوطنة مثل الثأر والخيانة.

وقد أظهر العمل خطورة المجتمع الرجالى وانسحاق حقوق المرأة تحت وطأته، وسياسة الكيل بمكيالين، وعدم الاعتراف سوى بشرف الأغنياء القادرين، أما الفقراء والضعفاء فليس لهم شرف، وإن كان فما أسهل تجاوزه وسحقه والاعتداء عليه دون تأنيب ضمير أو مراعاة حقوق إنسانية.

شكرى سرحان

وهذه النظرة من يحيى حقى وافقتها تماما نظرة حسين كمال الذى تفهم روح القصة ومراميها، ونفذ إلى أهدافها، وأراد أن يعطى المشاهد هذه الروح وتلك المرامى كما هى دون مساس بها، ولكنه اصطدم مع يحيى حقى فى نقطة وحيدة هى نهاية العمل، والتى يقتل فيها الأب ابنته بعد اكتشاف حملها سفاحًا، وحاول حقى أن يجعله يستبدل تلك النهاية بختام أقل قسوة، ولكن المخرج الواقعى رأى أن تلك النهاية هى الأقرب إلى الحقيقة منها إلى نهاية فيلم سينمائى درامى، وخرج الفيلم بالنهاية التى اختارها، والتى كانت السبب فى أن كثيرا من الجماهير عزف عن الفيلم لتلك المأساوية، فلم يحقق الفيلم العائد المادى المرجو، ولكن رغم ذلك ولهذه الواقعية الخشنة أصبح الفيلم من كلاسيكيات السينما المصرية العظيمة.

وقد أجاد السيناريو فى رسم الطريق الذى يجعل المشاهد يتفاعل مع العمل، فبدايةً يصطدم عباس بطباع غريبة وتصرفات يعتبرها شاذة ومخالفة لما تربى عليه فى القاهرة، حيث ميله للتسامح وميل أهل القرية للعدوانية والإضرار بالغير حتى يظهروا وكأنهم مجموعة من المتوحشين فى ثياب الآدميين، يرون فى تصرف الغزية إهانة لهم لأنها فقط أهملتهم وتواصلت مع عباس أفندى، فيدّعون العفة والشرف وهم أبعد ما يكونون عنهما، ويظهر سلوكهم المعوج فى تحرشهم بالغزية وهى خارجة من دار عباس أفندى ثم يقذفونها بالطوب والحجارة، فى صورةٍ ظاهرها العفة وباطنها عقابها على إعراضها عنهم وتفضيلها عباس أفندى.

وكان عمل المخرج حسين كمال فى هذا الفيلم عملا أقنعه وأحبه وأجاد فى صناعته، وقد تحدث عن الفيلم بقوله: «من المؤكد أننى وجدت نفسى فعلًا فى فيلمى الثانى (البوسطجى).

فبعد عامين من التفكير الطويل والتأمل العميق، كان هذا الفيلم مثل لحظة تنوير، فقد كتبته مع صبرى موسى ودنيا البابا، دون علم صلاح أبوسيف، ثم ذهبت إليه، وقلت له لن أصنع إلا هذا». وبعدها سافر إلى أسيوط وأقام ثلاثة أسابيع هناك، إضافة إلى ذهابه إلى قرية النحيلة، التى تبعد ساعة ونصف الساعة عن أسيوط، يراقب ويتعايش مع جو الفيلم، فقد كان شديد الحرص على إظهار القرية بشكل واقعى صادق ومختلف عن الشكل المعتاد. ورغم كل ذلك يظل فيلم «البوسطجى» يحتل المركز الثانى عشر فى قائمة أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية حسب رأى النقاد.

Comments

comments

رغي ستات: هتقولي كل اللي انتي عاوزاه وهنرد عليكي احنا وكل الناس الموجوده من غير ما نعرف شخصيتك وده من خلال موقعنا او الموبايل ابلكيشن

شاهد أيضاً

الوفد أسباب السقوط.. والأمل فى النهوض

اشترك لتصلك أهم الأخبار قبل أن يفتح الوفديون صفحة جديدة فى تاريخ حزبهم وجب عليهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *