الرئيسية / العالم / “كل أموال العالم”: قصة حقيقية لجد ثري رفض دفع فديه لحفيده

“كل أموال العالم”: قصة حقيقية لجد ثري رفض دفع فديه لحفيده

الممثل كريستوفر بلامرمصدر الصورة TriStar Pictures

في أحدث أفلام المخرج الشهير ريدلي سكوت، الذي يتناول قصة اختطاف حقيقية، يجسد كريستوفر بلامر دورا كان قد أداه في البداية الممثل كيفن سبيسي ثم تركه بعد تهم بالتورط في ممارسات تحرش جنسي.

كان الممثل سبيسي قد أنهى بالفعل تصوير مشاهده في الفيلم مُجسداً شخصية بول غيتي، قطب صناعة النفط الأمريكي الثري والبخيل. لكن قبل ستة أسابيع فقط من الموعد المقرر لبدء العرض، أعلن سكوت أنه لن يرجئ إطلاق العمل، بل سيلجأ ببساطة إلى إعادة تصوير مشاهد سبيسي، مُسنداً دوره إلى الممثل كريستوفر بلامر.

المدهش أنه لم يبدُ على الفيلم أي علامة تشير إلى أنه شهد عمليات “ترقيعٍ” تمت في اللحظات الأخيرة، برغم أن “بول غيتي” شخصيةٌ رئيسيةٌ من شخصيات العمل، وتظهر في لقطاتٍ عديدة صُوِّرت في مواقع تصوير مختلفة، ومع كثيرٍ من الشخصيات الأخرى.

مع ذلك، فلم يبد أن المشاهد التي أُعيد تصويرها بسبب وجود سبيسي فيها، قد أُعِدت بعجلة، أو لم يُعتنَ بمستواها الفني. فعلى العكس، كانت هي المشاهد الأفضل والأكثر اتساماً بالثقة في فيلمٍ جاء مُخيباً للآمال رغم أنه متقنٌ من الوجهة الفنية.

ومع أنني افترض بأنه سيتسنى لنا في يومٍ ما، أن نشاهد اللقطات التي صورها سبيسي، فإنه من الصعوبة بمكان أن يحسب المرء أنها ستكون أفضل من تلك التي جسد فيها بلامر الدور نفسه.

من بين أسباب ذلك، أن بلامر البالغ من العمر 88 عاماً ملائمٌ بشكلٍ أكبر لتجسيد شخصية غيتي، الذي يمثل عمره المتقدم أحد المحددات الرئيسية لشخصيته. أما سبيسي فقد جعله الماكياج الذي خضع له، وظهر به في المقطع الدعائي الأصلي للفيلم، أشبه بدُمية شريرة.

فضلاً عن ذلك، فقد تخصص سبيسي في تجسيد أدوار الأشرار التي تُضمر بداخلها نوايا شيطانية أيضاً. في المقابل جعل بلامر شخصية “غيتي” تكتسي بمسحة عطفٍ على من أقل منه سناً، كما أظهر وجود جوانب ضعف فيها بشكلٍ ما.

الخلاصة أن “أشرار سبيسي” عادةً ما يميلون إلى أن يبدوا وكأنهم يدركون أنهم يمثلون وحوشاً آدميةً، بينما بدا “غيتي” – كما أداه بلامر – وكأنه سيستاء كثيراً من مجرد طرح فكرة أنه على هذه الشاكلة.

المشكلة أن باقي عناصر الفيلم ليست مقنعةً أو مثيرة للاهتمام، على نحوٍ مماثلٍ لما بدت عليه شخصية “غيتي” كما جسدها بلامر.

على أي حال، إذا تناولنا أحداث العمل، فسنجد أنه يأخذنا إلى روما في عام 1973 لنشهد واقعة اختطاف بول حفيد غيتي، وهو صبيٌ طويل الشعر في 16 من عمره؛ يجسد دوره تشارلي بلامر الذي لا يمت لـ”كريستوفر بلامر” بصلة قرابة بالمناسبة.

وتحدث واقعة الاختطاف خلال استمتاع الصبي بوقته في إيطاليا، وينفذه غرباء مقنعون يلقون برهينتهم في الجزء الخلفي من شاحنةٍ مزودة بمكانٍ للنوم، ليُساق في نهاية المطاف إلى كوخٍ يقع في منطقة ريفية بجنوب هذا البلد الأوروبي.

مصدر الصورة AFP
Image caption تخصص سبيسي في تجسيد أدوار الأشرار كما يقول الناقد السينمائي نيكولاس باربر

ويطلب الخاطفون، الذين يقودهم شخصٌ يُدعى “شينكوانتا” ويجسد شخصيته الممثل رومان دوريس، الحصول على فدية قدرها 17 مليون دولار أمريكي.

هنا يبدو والد المُخْتَطَف، جون بول غيتي الابن، (الذي يؤدي دوره الممثل أندرو بوكان) غير ذي نفعٍ تقريباً، إذ نراه في مدينة مراكش المغربية، في حالة انتشاءٍ وذهول ناجمةً عن تعاطيه جرعةً كبيرةً من المخدرات.

بينما تبدو والدة الصبي، التي تُدعى آبيغيَل وتجسد شخصيتها الممثلة ميشال ويليامز، عكس ذلك تماما. فهي تبذل محاولاتٍ مستميتةً لتأمين مبلغ الفدية، لكنها تفتقر إلى أي تواصل مع عائلة غيتي، منذ أن طُلِقتْ من والد الصبي، وهو ما يحرمها من أي فرصة للاستفادة من ثروة الأسرة.

وبهذا لا يتبقى سوى عميد الأسرة غيتي الكبير نفسه، الذي يرفض أن يدفع ولو فلسٍ واحد من قيمة الفدية. فبرغم جميع الاعتبارات، نجده يقول مُقهقهاً لحشدٍ من الصحفيين إنه إذا كافأ الابتزاز الذي يتعرض له ممن خطفوا أحد أحفاده الأربعة عشر، فإن ذلك ربما يمثل تشجيعاً لهم على خطف الأحفاد الآخرين.

لكن هل يكترث غيتي إلى هذا الحد حقاً بمصالح أقاربه، أم أنه ليس سوى شخصٍ وضيعٍ على نحوٍ مجنون؟ للإجابة على هذا السؤال، يجدر بنا أن نتذكر أن بلامر جسد مؤخراً شخصية إبينيزر سكرودج، في فيلم “ذا مان هو إنفينتد كريسماس”.

وبحكم معرفتنا بطبيعة شخصية سكرودج، يمكننا استنتاج أنه كان سيوافق على قرار غيتي وضع كشكٍ للهاتف في منزله الفخم بمقاطعة سرّي الإنجليزية، لئلا يُضطر لتحمل فواتير الاتصالات التي يجريها زواره، ويشعر هو بأن سداده لها أمرٌ مجحف.

لكن على الرغم من شح غيتي الشديد، فهو يُكلف واحداً من أكثر الأشخاص الذين يثق فيهم وفي قدرتهم على التفاوض، بإعادة بول إلى المنزل.

يوُدعى الرجل فليتشر تشَيس، ويجسد شخصيته الممثل مارك والبيرغ، ويبدو ظهوره على هذه الشاكلة – كما قد يحسب المرء – إشارةً إلى أن تتضمن الأحداث بعض مشاهد الحركة العنيفة، فـ”فيلتشر” هو في المقام الأول، عميلٌ سابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي آيه).

كما أن دوره أُسْنِدَ إلى نجمٍ سينمائي يجسد ضرباً من الشجاعة والجراءة يُعلي القوة فوق العقل، ويتسم به عادةً أبناء الطبقة العاملة، بل إن اسم الشخصية يتضمن كلمة “تشيَس” التي تعني مُطاردةً باللغة الإنجليزية.

وعلى الرغم من أن بطلنا هذا ربما يرتدي عويناتٍ وصديريةً مماثلة لصديرية كلارك كِنت؛ تلك الشخصية الخيالية التي تمثل النسخة الآدمية من البطل الخارق “سوبرمان”، فليس من قبيل المجازفة أن يفترض المرء فور رؤيته أنه سيُذيق زعيم عصابة الخاطفين ويلاتٍ، لا تقل البتة عن تلك التي لاقاها الممثل ليام نيسون، عندما أدى دور “رأس الغول” عدو “باتمان”، في أحد الأفلام السينمائية.

لكن ذلك كان من قبيل التمني. فبعد سلسلة مشاهد أجاد صناع العمل اختيار مواقعها، وتنقل الفيلم خلالها بثقة بين قاراتٍ وعقودٍ زمنية مختلفة، يتباطأ إيقاع “كل أموال العالم”، ليصبح وكأنه يسير الهوينى. فالشهور تمضي، وبينما يتنقل سكوت بمشاهده ما بين أفراد عائلة غيتي المنتمين إلى أجيالٍ متنوعة، لا نجد شيئا فعلياً يحدث.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تمكن سكوت ريدلي من إعادة تصوير مشاهد سبيسي في هذا الفيلم في زمنٍ قياسي

ففي قلب الريف الإيطالي، يصيب الملل الخاطفين من البقاء منتظرين حول رهينتهم، أما آل غيتي – سواءٌ في روما أو في انجلترا – لا يبدون في عجلةٍ من أمرهم على الإطلاق لاستعادة الصبي.

ففي أحد المشاهد نرى فليتشر يقضي وقته مُسترخياً ومُتكاسلاً في منزل الأم آبيغيَل، بل ويلهو مع أطفالها الصغار، بل ونراه يمارس تمارين الضغط بسرعة بالغة، وكأنه يؤكد تحليه بمؤهلات الذكورة والفحولة.

على الجانب الآخر، تنجح ويليامز – وبشكلٍ رائع – في تجسيد مدى الإصرار والعزيمة الشديدين اللذين تتحلى بهما شخصية الأم، مع احتفاظها في الوقت نفسه بسمات التحفظ والاحتشام التي تميز الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها شخصيتها.

رغم ذلك، فلا يبدو واضحاً لنا تماماً كمشاهدين، ما الذي تقوم به هذه السيدة تحديداً لمساعدة ابنها في محنته. فالأمر يستغرق منها عدة أسابيع، قبل أن تواتيها فجأة تلك الفكرة العبقرية الخاصة ببيع أحد أملاكها الموروثة، كي توفر هي بنفسها جانباً من الأموال المطلوبة للفدية.

ويؤدي هذا البطء في الحركة وهذا السمت المتراخي، إلى إفقاد الفيلم ذاك الطابع المشدود المتوتر، الذي تحتاجه أي قصة تتناول واقعة اختطاف واحتجاز.

فالأم التي قد لا تمتلك بطبيعة الحال “كل أموال العالم” – إذا ما استعرنا اسم العمل – تتصرف كما لو كان لديها كل الوقت الكافي لإنقاذ ابنها.

ويحاول صناع الفيلم من خلال سلسلة مشاهد لملاحقة ومطاردة محمومة حتى الذروة، تدور في بلدة تقع على إحدى التلال في إيطاليا، إضفاء بعض الإثارة على الأحداث، ولكن ربما كان ذلك سيحقق النجاح، إذا لم يكن قد قُدِمَ على نحوٍ بدا غير واقعي بشكلٍ صارخ.

ولم ينجح “كل أموال العالم” في إبقاء مشاهديه منتبهين ومهتمين بما يدور ضمن أحداثه، سوى عندما يعود إلى قصر غيتي الشبيه بالكهف.

فهناك نلمس بعض الخصال الغريبة لعميد آل غيتي، هذا الرجل العبوس المُصاب بجنون العظمة الذي ينفر من الاختلاط بالبشر، والذي تُذَكِرنا شخصيته بشخصية “تشارلز فوستر كين” – التي يدور حولها فيلم “المواطن كين” – وإن كانت ممزوجة ببعض صفات “مستر بيرنز”؛ أحد شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة “عائلة سيمبسون”.

فـ”غيتي” – بحسب الأحداث – هو شخصٌ لا يتردد في دفع مبلغٍ مؤلفٍ من سبعة أرقام لشراء لوحة صغيرة من لوحات عصر النهضة، حتى وإن كانت هناك شكوكٌ حول أصلها، لكنه يُؤْثِرُ في الوقت نفسه أن يغسل ملابسه الداخلية في مرحاضٍ بأحد الفنادق، لكي يوفر على نفسه تكاليف غسلها على يد العاملين في المكان.

وتثير شخصية هذا الرجل أسئلةً مثيرةً للاهتمام بشأن عقلية وتفكير الأشخاص شديدي الثراء، ولذا يبدو أن إنتاج عملٍ يتمحور حوله وتُسند بطولته إلى بلامر، ربما كان سيؤدي إلى تقديم فيلمٍ أفضل من “كل أموال في العالم”.

ولعل الأفضل من كل ذلك، هو التفكير في تقديم عملٍ دراميٍ يتناول تفاصيل ما حدث في الكواليس بشأن واقعة استبعاد كيفن سبيسي، وذلك لتوضيح أسباب حدوث ذلك، وكشف النقاب عن الكيفية التي تمكن بها ريدلي سكوت، من إعادة تصوير مشاهد سبيسي بممثلٍ أخر في زمنٍ قياسي، إذ أن فيلماً مثل هذا كان سيصبح عملاً يستحق أن يتكبد المرء تكاليف شراء بطاقة دخول السينما لمشاهدته.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Culture .

Comments

comments

رغي ستات: هتقولي كل اللي انتي عاوزاه وهنرد عليكي احنا وكل الناس الموجوده من غير ما نعرف شخصيتك وده من خلال موقعنا او الموبايل ابلكيشن

شاهد أيضاً

تفاؤل عقب قمة بين قادة مصر والسودان وإثيوبيا خرجوا منها “متشابكي الأيدي”

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يقول عقب قمة ثلاثية مع السودان وإثيوبيا إنه لم تكن هناك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *