الرئيسية / دين / بشرية الرسل.. إعجاز الله واستنكار العصاة

بشرية الرسل.. إعجاز الله واستنكار العصاة

إبراهيم الضوي 14 يوليو 2015 09:56


تعجب الأمم عبرَ عصورها من بشرية الرسل، بل يستنكف مشركو كل أمة أن يتبعوا بشرًا مثلهم..  {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ}..


تناسى هؤلاء امتداد نسبهم إلى أبيهم الأول الذي خرج من صلبه الناس أجمعون؛ آدم عليه السلام وقد قال الله فيه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}…


أيكون ذلك الوهم المتوارث ناتجا عن ازدرائهم لبشريتهم أم خارجا من مكنونات صدورهم المشحونة بمساوئ الأخلاق من الأحقاد والإحن التي نفث بها أولَ من نفث قابيلُ؛ رعيلُ البشرية الأول حين حمله الحقد والحسد على قتل أخيه، فسرى هذا الخُلق في دماء أمثال قابيل إلى يوم الدين، فلا يطيب لهم أن يعلو عليهم أحد من بني جلدتهم، أو أن يُوهب فضيلةً يعجزون عن تحصيل مثلها..


انظر قوله تعالى: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}..  ثلاث مرات يقولون {ما نراك} يخلعون عنه كل فضيلة، وغدا عندهم سفيها وكان قبلُ وجيها.. تكرار ينبأ عن تمادي حقدهم ودفين مقتهم وحسدهم…


أم يكون ذلك الوهم ناتجا عن استعظامهم لمقام الرسالة أن ينوء بها بشر يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون ويطلبون من الشهوة ما يطلبون ويسيرون في الأسواق يبتغون ما يبتغي الناس… {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا}..


ولو أنصف الناس لأيقنوا أنه من كمال الرحمة، وتمام الفضل، وعظيم اللطف، وجليل الحكمة أن أرسل الله إليهم الرسل منهم، يشاركونهم بشريتهم ، ويشاطرونهم آدميتهم، فهم يعيشون كما يعيش قومهم، ويصيبهم ما يصيبهم من النصب والبلاء، ويفرحون بما يفرح به قومهم ، ويأكلون مما يأكلون ويشربون مما يشربون، ويصاهرونهم ويتزوجون منهم ويبيعون ويشترون منهم.. ويألمون مما يتألمون منه، وما من صفة بشرية إلا وينهل منها الأنبياء والرسل ليحدث بينهم وبين وقومهم الألفة والسكينة..


والله سبحانه أعلم بنفوس العباد من أنفسهم، فلا أدرى بالصنعة من الصانع، ولا أخبر بفطرة الناس ومكنوناتهم مثل خالقهم، {إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ}، فلو علم الله أن صلاحهم وتقواهم تحصل بإرسال ملائكة مكان الرسل لفعل سبحانه، ولكنه يعلم جل وعلا أن البشر يصلحهم بشر مثلهم ولو كانوا ملائكة لناسبهم أن يرسل إليهم ملائكة مثلهم قال تعالى: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا، وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا، قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا}.


وبشرية الرسل أبلغ في دعوة قومهم وأقوم للحجة عليهم، فهذا شعيب علي السلام يقول: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}..


ونبينا صلى الله عليه وسلم يفحم بصفاته البشرية نفرًا من أصحابه عزموا على الاستزادة على الطاعة بأكثر مما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».

اقرأ أيضا: 

الاعتكاف… اغتنم خير أيام الدنيا

Comments

comments

شاهد أيضاً

الاعتكاف… اغتنم خير أيام الدنيا

أزف ضيفنا الكريم على الرحيل ولم تُرْوَ الأجساد بعدُ من مائه العذب، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *